المعلقات العشرة

المعلقات قصائد محكمة النسج جيدة المعنى اختيرت من بين القصائد الجاهلية؛ لتكون مثالاً يحتذى ونهجاً يتبع.
وقد عرف الناس قدر المعلقات وقيمتها فقدموها على غيرها وجعلوا شعراءها أئمة للشعراء في العصر الجاهلي وما تلاه من عصور، وما زال المتذوقون للشعر يعترفون بتقدم شعراء المعلقات. ويعتري الغموض الطريقة التي اتبعت في اختيار المعلقات من بين أشعار العرب كما يمتد ذلك الغموض إلى الراوي لتلك المعلقات أو المختار للمعلقات، على أن الرأي الراجح في ذلك هو الرأي القائل بأن حماداً الراوية هو الذي اختار تلك القصائد من مجموع الشعر الجاهلي لما تتمتع به من التقدم على غيرها[1]، وقيل سميت تلك القصائد بالمعلقات؛ لأنها علقت بأستار الكعبة، وتعليق الشعر الجيد على الكعبة ليس غريباً فمن عادة العرب أن يعلقوا الأمور المهمة على الكعبة؛ فعندما طال النزاع بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش اتفقت قريش فيما بينها على أن تقاطع بني هاشم فلا يزوجونهم، ولا يتزوجون منهم، ولا يبيعونهم شيئاً ولا يشترون منهم شيئاً، وتعاهدوا على ذلك وكتبوا ذلك العهد في صحيفة علقوها في جوف الكعبة[2].
ومن أسماء المعلقات السموط وهي العقود؛ فالعرب يشبهون القصيدة الجيدة بالعقد الذي يعلق في صدر الحسناء، والسموط تأخذ معنى المعلقات
لأن السموط تعلق مثلها. ومن أسمائها المذهّبات لأن تلك القصائد تكتب بماء الذهب قبل تعليقها.
ومن أسمائها: القصائد المشهورات؛ لأنها اشتهرت أكثر من غيرها، وسميت أيضاً السبع الطوال الجاهليات، والتزم بهذا الاسم من رأى أن المعلقات سبع، ومن أسمائها القصائد التسع ويطلق هذا الاسم من يرى أن القصائد المشهورة تسع، ويطلق على المعلقات القصائد العشر ويختار هذا الاسم من يرى أن القصائد عشر[3]. فعدد المعلقات مختلف فيه ولكن عدداً من الذين دونوها أو شرحوها يرون أنها سبع.
وأصحاب المعلقات الذين اتفق عليهم أكثر الرواة هم: امرؤ القيس، وطرفة، وزهير، ولبيد، وعمرو بن كلثوم، ولم يحدث خلاف في هؤلاء الخمسة فهم أصحاب معلقات باتفاق رواتها، أما السادس والسابع فهما عنترة والحارث بن حلزة عند أكثر رواة المعلقات، أما أبو زيد القرشي صاحب جمهرة أشعار العرب فقد جعل النابغة والأعشى من أصحاب السبع وأخرج عنترة والحارث بن حلزة وجعلهما من أصحاب المجمهرات وهي قصائد أقل قيمة من المعلقات[4] وقد أثبت النحاس الأعشى والنابغة بعد أن انتهى من شرح القصائد السبع[5].
وجاء التبريزي فأثبت ما أثبته النحاس وأضاف شاعراً عاشراً لأصحاب المعلقات هو عِبَيد بن الأبرص، وعلى رأي التبريزى تكون المعلقات عشراً، ولم يقل أَحد إنها أكثر من عشر، وهؤلاء هم أصحاب المعلقات ومطالع قصائدهم:
قِفَانَبْكِ من ذكرى حبيب ومنزل

بِسَقْطِ اللوِّىَ بينَ الدَّخولِ فَحوْمَلِ
لِخَوْلَهَ أطْلاَلٌ بِبُرْقـَةِ ثَهْمـَدِ
 
 تَلوُحُ كَبَاقي الوَشْمِ في ظَاهِرِ اليَدِ[6]
أَمن أُمِّ أَوفَى دِمْنة لمْ تَكَلَّـمِ
 
 بِحَومَانـَةِ الـدَّرَّاجِ فالمُـتَثلَّـم[7]
عَفَتِ الدِّيَارُ مَحلُّهَا فَمُقَامُـهَا
 
 بِمِنىَّ تَأَبَّدَ غَوْلُـهَا فَرِجـامُـها[8]
ألاَ هُبَّي بصَحْنِكِ فاصْبَحِيْنـَا
 
 ولاتُبْـقِي خُمُـورَ الأنْـدرِيْنَـا[9]
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ من مُتـَردَّمِ
 
 أَمْ هَلْ عرَفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّم[10]
آذَنـَتْـنَا بِبَيـْنِـهَا أسْمـاءُ
 
رُبَّ ثـاوٍ يُمَـلُّ مِنْـهُ الثَّـوَاءُ[11]
8- الأعشى: ميمون بن قيس ومطلع معلقته:
ودِّعْ هُرَيْرَةَ إن الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ
 
 وهَلْ تُطِيقُ وَدَاعـاً أَيُّهَا الرَّجُـلُ
وقد جعل أبو زيد القرشي معلقة الأعشى القصيدة التي مطلعها:
ما بكاءُ الكَبِـيرِ في الأطْـلالِ
 
وسُؤاَلي ومَـا تَرُدُّ سُـؤالِـي[12]
9- النابغة الذبياني ومطلع معلقته:
يا دَارَ مَيَّةَ بالعَلْيَـا، فالسَّنَـدِ
 
أَقوَتْ وَطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ[13]
ويرى أبو زيد القرشي أن معلقة النابغة هي القصيدة التي مطلعها:
عوُجُوا فَحَيُّوا لِنُعْمٍ دِمْنَةَ  الدَّار
 
ِ ماذَا تُحَيُّونَ من نُؤْي وأَحْجَارِ[14]
10- عبيد بن الأبرص ومطلع معلقته:
أقفَرَ من أهْلِـهِ مـَلْحـُوبُ
 
 فـالقُـطَّبِيَّـاتُ فالذَّنُـوبُ[15]
وقد اعتنى العلماء بشرح هذه المعلقات عناية كبيرة فشرحوا غريبها وأعربوا ألفاظها وشرحوا أبياتها؛ ومن أولئك الذين اعتنوا بالمعلقات: أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري المتوفى سنة 327 هـ، وأحمد بن محمد
النحاس المتوفى سنة 338 هـ والحسين بن أحمد الزوزني المتوفى سنة 486 هـ ويحي بن علي التبريزي المتوفى سنة 502 هـ فأهم شروح المعلقات هي هذه الشروح. وهناك شروح كثيرة غير هذه، فالمعلقات من الشعر الذي حظي بعناية الباحثين على مر العصور. 

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق